ن نعيم تأملات يومية

اليوم الأول: الحذاء القديم

بدأت الحكاية من عطلة مدرسية. أختي جاءت من وجدة مع ابنيها إلى الشمال. كنت أعرف أنهم سيأتون، وتركت نفسي أتعامل مع الفكرة كزيارة عادية. بيت، أطفال، ضجيج، ثم يعود كل شيء إلى مكانه.

قبل وصولهم، كان البيت مرتبا. الأشياء تعرف أماكنها. حتى الصمت كان منظما.

فتحت الباب. دخلوا. دخلت أختي أولا، ومعها تعب طويل. تعب لا يحتاج إلى شرح، يظهر في الوقوف، في الجلوس، في تلك المسافة القصيرة بين خطوتين. كانت نحيلة. نحافة واضحة، بلا ادعاء. لون وجهها متعب، وحركتها قصيرة.

رأيت الطفل الصغير. كبر قليلا. وبقي نحيلا. يحمل مرضا أكبر من عمره: حساسية الجلوتين.

ثم رأيت التفاصيل. ملابس مهترئة. أحذية قديمة. أشياء قليلة، لكنها قالت الكثير.

تحرك الأطفال في المكان. حقيبة هنا. حذاء هناك. صوت في الصالون. خطوات سريعة بين الغرف. البيت بدأ يفقد نظامه بهدوء.

كنت أراقب. أرتب شيئا. أعيد شيئا إلى مكانه. أعلّق. أصمت. ثم أعود لأرتب.

أختي كانت تتعب بسرعة. تجلس، ثم تنهض، ثم يظهر عليها الإرهاق. فقر الدم كان حاضرا في كل حركة. سألتها عن حالها. أجابت باختصار. اختصار من يعرف أن الكلام لن يخفف شيئا.

الطفل الكبير كان يحتاج انتباها دائما. الطعام ليس تفصيلا عنده. كل لقمة تمر عبر سؤال.

أما الطفل الأصغر، فكان يتحرك في البيت كأنه يحاول أن يملأه بالحياة. يلعب، يركض، يقترب، يبتعد. كنت أراه جزءا من الفوضى. ثم بدأت أفهم أنه يحاول أن يبقى طفلا، رغم كل شيء.

مرّ اليوم ثقيلا. لم يحدث فيه شيء كبير. كانت التفاصيل وحدها كافية. وجه أختي. نحافة الطفل. الأحذية القديمة قرب الباب. الملابس. الصوت. التعب.

وأنا بينهم. أشعر أنني بعيد، رغم أنني في نفس الغرفة.

مرّت شهور طويلة دون أن أراهم. كنت أطمئن عليهم من بعيد. جمل قصيرة. رسائل. أسئلة عابرة. في البيت، كل شيء بدا مختلفا. الطمأنينة من بعيد لا تشبه الحقيقة.

في المساء، جلست مع أختي. تحدثنا عن مرض الطفل. عن الجلوتين. عن الطعام. عن الأشياء التي يجب تجنبها. عن الخوف اليومي من لقمة بسيطة.

كان الطفل الأكبر قريبا منا. كنت أظنه يلعب. كان يسمع. ثم بكى.

بكاءه جاء فجأة. صغير، وصادق، وفي مكان دقيق جدا. طفل سمعنا نتحدث عن مرضه. فهم أن الكلام عنه. فهم أن جسده موضوع على الطاولة. فهم أن أمه خائفة.

في تلك اللحظة، توقف كل شيء. اختفت الفوضى. اختفت الأحذية. اختفت الوسائد التي أزعجتني طوال اليوم. بقي طفل يبكي. وبقيت أنا، جالسا أمامه، أشعر أنني وصلت متأخرا.

ذلك البكاء هزني من الداخل.

في الليل، لم أنم. بقيت أفكر. في أختي. في تعبها. في الطفل الأكبر. في مرضه. في بكاءه. وفي نفسي.

شعرت بتقصير ثقيل. تقصير لا يصرخ. يجلس فقط، ويتركك ترى الأشياء كما هي.

رأيت الحذاء القديم قرب الباب. نظرت إليه طويلا. لم يكن مجرد حذاء. كان طريقا لم أكن فيه. وأياما لم أشاركها. وحياة كاملة، وصلتني متأخرة.

في ذلك الليل، عاد البيت هادئا. لكن الهدوء لم يكن كما كان. كان فيه شيء ناقص. وفي داخلي، بقي صوت بكاءه. صغيرا. واضحا. يمشي بهدوء…