عن طفولتي
لا أملك ذاكرة واضحة عن طفولتي.
لا أستطيع أن أسترجع الوجوه، ولا الأسماء.
كلما حاولت أن أعود إلى تلك السنوات، أجد فراغا واسعا…
كأن أحدهم محا التفاصيل وترك بعض اللقطات فقط.
الغريب أن اللقطات الباقية ليست جميلة.
أتذكر الطريق المتعب للمدرسة أكثر من أي شيء آخر.
أتذكر المشي لمسافات طويلة.
أتذكر النهوض فجرا.
أتذكر أيضا تلك الساعات بين الفترتين.
حين ينتهي الدرس الصباحي، ويبدأ المسائي بعد وقت طويل.
المنزل بعيد.
العودة غير ممكنة.
فنبقى أمام المدرسة.
ننتظر.
نجلس على الرصيف أو تحت ظل شجرة.
نراقب الوقت يمرّ ببطء.
أتساءل أحيانا:
لماذا لا أتذكر بقية التفاصيل؟
هل لأن العقل يحتفظ بما كان له وزن؟
أم لأن التعب كان أكبر من أن يُترك له مكان للذكريات الجميلة؟
يقولون إن الطفولة مرحلة خفيفة.
لا أتذكرها كذلك.
أتذكرها كمرحلة فيها مسؤولية مبكرة.
ربما لا أتذكر طفولتي كاملة..
أحيانا أحاول أن أسترجع وجه ذلك الطفل الذي كان ينتظر أمام المدرسة،
ولا أراه بوضوح.
أرى حقيبة.
أرى طريقا طويلا.
لا أملك قصصا كثيرة عن الضحك في الساحة،
ولا ذكريات مشرقة عن الحصص الأولى.
لدي فقط إحساس قديم بالتعب…
وبالاستمرار.
ربما لهذا لا تعود التفاصيل.
لأنني لم أعش تلك السنوات كحكاية تُروى،
بل كطريق طويل كنت أمشيه .. طلبا للنجاة.