تأملات يومية

السفر الأخير

في تلك الليلة، جلس كمن انتهى من حديث طويل مع نفسه… كان يعرف أن النهاية قريبة، ليس كإعلان صاخب، بل كإحساس ثقيل يجلس على الصدر، ويقول بهدوء: “استعد… لم يعد هناك الكثير”.

نظر إلى الغرفة. كل شيء فيها بدا مألوفا أكثر من اللازم، كأن الأشياء أيضا تحفظه… وتحاول أن تتذكره قبل أن يغادر.

السرير الذي عرف تعبه، النافذة التي شهدت صمته، الكوب الذي بردت فيه قهوته أكثر مما ينبغي… تفاصيل صغيرة، لكنها كانت كل ما تبقى له من حياة كاملة.

جلس قليلا، ثم ابتسم ابتسامة قصيرة، تلك التي تأتي حين يفهم الإنسان أشياء كثيرة… متأخرا. تذكّر وجوها مرّت، أسماءا قالها يوما بحب، وأخرى قالها وهو يبتلع شيئا في حلقه…

تذكّر أنه أعطى أكثر مما كان يملك، وأن الحياة كانت تأخذ ذلك بهدوء شديد، كأنها لا تلاحظ.

في الخارج، كان العالم مستمرا .. كأن غيابه تفصيل صغير في قصة كبيرة،

أغمض عينيه، وتنفس بعمق، مرة… ثم مرة أخرى… كل نفسٍ كان يبدو وكأنه يقول: “هذا يكفي.”

ثم هدأ كل شيء. تدريجيا، كصوتٍ يبتعد… ثم يختفي.

في اللحظة الأخيرة، لم تكن هناك صور تمر أمامه، ولا كلمات عظيمة، ولا اعترافات متأخرة… فقط شعور واحد: أن كل هذا التعب… توقف أخيرا. وفي الصباح، دخل الضوء إلى الغرفة كعادته، وقف قليلا على وجهه، ثم تابع طريقه، كأنه لم يجد من يوقظه.

انتهت الرحلة. بهذا الهدوء الذي يربك، وبهذ البساطة التي تجرح، كأن الحياة كانت جملة طويلة… واختارت أن تضع النقطة أخيرا.