تأملات يومية

كل الطرق تعرفني

لم أركض يوما.

لم أصرخ، لم أغلق بابا خلفي بعنف، ولم أكتب رسالة وداع طويلة.

كنت أخرج بهدوء…

كأنني ذاهب لشراء شيء بسيط… وأتأخر في العودة.

في البداية، بدا الأمر بريئا.

مدينة جديدة، شوارع مختلفة، مقهى لا يعرفني فيه أحد…

وذلك الشعور اللطيف بأن لا أحد ينتظر مني شيئا.

كنت أقول لنفسي:

“هذا ليس هروبا… هذا تغيير فقط.”

لكن التغيير كان يحدث في الخارج …

أما في الداخل، فكنت أحمل نفسي معي… بنفس التفاصيل، بنفس الأسئلة، ونفس الصمت.

تعلمت سريعا كيف أكون نسخة مقبولة في أي مكان.

أبتسم حين يجب، أستمع، وأضحك في الوقت المناسب…

كأنني أتقن دورا لم أكتب نصّه.

تعرفت على أشخاص طيبين…

وكنت أغادر قبل أن يصبح لي مكان واضح في حياتهم…

وقبل أن يصبح لهم مكان واضح في حياتي.

هناك شيء غريب في الهروب…

تتخلى عن أشياء كثيرة:

أماكن، وجوه، محاولات…

ثم تكتشف أنك تخليت أيضا عن أجزاء صغيرة منك… دون أن تنتبه.

مرة، جلست وحدي في مقهى جديد.

نفس الطاولة تقريبا، نفس فنجان القهوة، نفس النظرة إلى الشارع…

لكن شعورا مختلفا تسلل إلي بهدوء.

سألت نفسي، دون فلسفة:

“لو توقفت الآن… ماذا سيحدث؟”

لم تأتِ إجابة.

لكنني شعرت بشيء يشبه الحقيقة…

أنني لم أكن أبحث عن مكان جديد…

كنت فقط أؤجل لقاء طويلا مع نفسي.

والآن…

لم أعد أتحرك كثيرا.

أجلس أحيانا، أراقب التفاصيل الصغيرة:

صوت الملاعق، حركة الناس، ضوء يتسلل من نافذة…

وأشعر أنني، لأول مرة منذ مدة طويلة، لست مستعجلا.

توقفت عن الهروب…

لكنني لا أعلم إن كنت قد بقيت…

أم فقط تعبت من الركض.