ما لا نعرفه عن الآخرين
جاء والد صديقي عثمان من البادية إلى تطوان.
لم يأت للسياحة، ولا لزيارة معالم المدينة.
جاء لأنه لم يعد يرى جيدا.
أخذه عثمان إلى طبيب العيون، ليفحص نظره ويشتري له نظارة جديدة.
عثمان شاب يعمل براتب متواضع، ويحاول أن يدبر شؤونه، وأن يترك شيئا لوالده الذي يعيش في البادية ويعاني من أمراض عديدة.
ليس لوالده معيل غيره.
وهذه جملة قصيرة، لكنها ثقيلة جدا.
ففي نهاية كل شهر، هناك أب ينتظر.
وهناك حاجات لا يمكن تأجيلها، وأدوية، ومصاريف، وأشياء صغيرة لا يعرف قيمتها إلا من اضطر يوما إلى الاختيار بينها.
ولا أعرف كم مرة اضطر عثمان إلى تأجيل شيء كان يريده لنفسه، لأن والده كان يحتاج إلى شيء أكثر إلحاحا.
لا أعرف ماذا قال الأب لعثمان بعد زيارة الطبيب.
ولا أعرف إن كان قد اختار إطار النظارة بنفسه، أو ترك الاختيار لابنه.
منذ سمعت هذه الحكاية، وأنا أفكر في أشياء كثيرة.
نلتقي بأشخاص كل يوم، ونسألهم عن العمل والطقس وأخبار الحياة.
ولا يخطر ببالنا أن أحدهم يعيل أسرة كاملة، وأن آخر يؤجل أحلامه من أجل والديه، وأن ثالثا يخوض معركة لا يعرف عنها أحد شيئا.
لكل إنسان حكاية لا نعرفها، وهموم لا يتحدث عنها، ومسؤوليات لا تظهر على وجهه.
وكم يا ترى من الألم يخفونه خلف ابتساماتهم، وكم من الهموم يحملونها بصمت، بينما نمضي بجانبهم دون أن نعرف شيئا عن كل ذلك.
