صوت أختي في تيك توك
قبل أيام، كنت أقلب في تيك توك بلا هدف واضح، كما يفعل الإنسان حين يهرب من يومه إلى أيام الناس.
ثم ظهر أمامي بث مباشر.
لا وجه فيه.
فقط صوت امرأة، وبعض الجلابيات المعلقة، وكلمات بسيطة تحاول أن تقنع العابرين بأن يتوقفوا قليلا.
جلابيات رخيصة. من تلك التي لا تحتاج إلى إعلان كبير، ولا إلى مصور محترف، ولا إلى جملة تسويقية.
كنت على وشك أن أمرّ.
ثم عرفت الصوت.
كانت أختي.
توقفت.
لم أستطع أن أنظر طويلا.
كان البث عاديا لمن لا يعرفها: جلابيات معلقة، ويد تحاول ترتيب القطع أمام الكاميرا.
أما أنا، فرأيت سنوات كاملة دفعة واحدة.
رأيت قناتها في يوتيوب، ورأيت التعب الذي وضعته فيها، والمال الذي صرفته، والأمل الذي كانت تؤجله من شهر إلى شهر، قبل أن تخرج في النهاية ب 800 درهم فقط.
الرقم صغير إلى درجة أنه لا يصلح حتى لأن يكون خيبة محترمة.
هو أقرب إلى اعتذار رديء من الحياة، كتبته بسرعة، ثم نسيته في جيب معطف قديم.
ومع ذلك لم تتوقف.
انتقلت من شاشة إلى شاشة.
من يوتيوب إلى تيك توك.
من أمل كبير إلى بث لا يظهر فيه وجهها.
أنا أعرف ما لا يعرفه الذين دخلوا البث وخرجوا.
أعرف فقر الدم الذي يتعب جسدها.
وأعرف مرض أطفالها.
وأعرف البيوت التي لا تحتاج إلى كارثة كي تنهار، يكفيها فاتورة صغيرة في الوقت الخطأ.
وأعرف أنها لم تكن يوما امرأة كسولة، ولا امرأة تنتظر أحدا.
كانت فقط تركض في سباق لم تُعط فيه حذاءً مناسبا، ولا طريقا مستويا، ولا حتى حكما يعرف معنى الإنصاف.
أغلقت الهاتف، لكن المشهد لم يغلق.
ظل صوتها معي.
وظلت معي تلك الجلابيات المعلقة في الشاشة.
وربما لهذا لم يؤلمني البث نفسه.
آلمني أنني عرفت صوتها قبل أن أرى وجهها.
في المساء، كتبت لها أسألها عن الأحوال.
ترددت قليلا، ثم قلت:
سأسدد فواتير هذا الشهر من ماء وكهرباء وأنترنت ..
جاء ردها هادئا، كأنها تخبرني بأمر عادي:
الفواتير متراكمة منذ ثلاث أشهر.
ظللت أحدق في الرسالة طويلا. ثم دفعت الفواتير المتأخرة:
لكنني لم أعرف كيف أدفع ثمن شهور كاملة كانت أختي فيهما تستحي أن تقول إنها عاجزة.