العودة إلى الفهرس

صاروا جزءا من الطريق

الغريب أننا لا نتذكر الطريق كما كان.
نتذكر محطة الوصول.
الصورة الأخيرة.
المدينة التي انتهت عندها الحكاية.
أما الطريق نفسه، فيختفي من الذاكرة كأنه لم يكن.
ننسى الوجوه التي كانت تجلس إلى جوارنا في المقاعد الخلفية.
وننسى من كان يفتح لنا الباب قبل أن نصل إليه.
وننسى ذلك الشخص الذي لم يكن يقول شيئا مهما…
لكنه كان يجعل اليوم يمر.

ولهذا، عندما نسترجع سنوات من أعمارنا، نظن أن مدينة ما هي التي احتوتنا.
أو بيتا.
أو مقهى اعتدنا الجلوس فيه.
ثم، بعد زمن طويل، نفهم الحقيقة التي تأخرت كثيرا…
لم تكن المدينة أكثر من شوارع.
ولم يكن البيت أكثر من سقف.
ولم يكن المقهى أكثر من طاولات.
الدفء كله…
كان إنسانا.

لذلك أعتقد أن أجمل الناس هم أولئك الذين يغادرون حياتنا وهم يظنون أنهم لم يفعلوا شيئا يستحق الذكر…
بينما الحقيقة أنهم كانوا الشيء الوحيد الذي يستحق أن يُذكر.

طوال سنوات، كنت أظن أنني مدين للمدن التي سكنتُها، وللأبواب التي فُتحت لي، وللطرق التي قادتني إلى هنا.
ثم أدركت، متأخرا جدا…
أن الطريق لم يحملني وحده.
كان هناك دائما من كان يحملني معه…
ثم يختفي، قبل أن ألتفت لأقول له: شكرا.