ذكريات من البيت الميت
لا أذكر متى وقعت عيناي للمرة الأولى على عنوان رواية «ذكريات من البيت الميت».
أذكر فقط أنني توقفت عند العنوان لحظة.
أعجبني.
ثم مضيت.
كأنني قرأت جملة عابرة في محطة قطار، ولم أكن أعرف أنها ستسبقني بسنوات.
كان البيت في مدينةٍ يعرف الصيف فيها كيف يحاصر الجدران.
وكنت أعرف، أو هكذا ظننت، كيف أجعل المكان أكثر حياة.
كلما نقص شيء، اشتريته.
إذا اختل ترتيب الرفوف، أعدته.
إذا امتلأت الأرض بالغبار، مسحتها.
الثلاجة لا تبقى فارغة.
المطبخ جاهز.
كل شيء في مكانه.
وكل مساء، بعد يوم طويل، أنظر حولي وأقول:
غدا سيصبح أجمل.
لهذا كنت أضيف إلى ذلك البيت كل ما أستطيع.
كرسيا.
مصباحا.
نبتة بلاستيكية.
ستارة.
رفا جديدا.
وكأن الحياة قطعة أثاث ناقصة، وما إن أجدها حتى يتغير كل شيء.
لكن كل شيء كان يبقى كما هو.
صامتا.
باردا.
بعيدا.
بعد سنوات فهمت شيئا لم أفهمه يومها.
يمكنك أن تجعل المكان أنظف.
وأجمل.
وأغلى.
لكن الدفء لا يُشترى.
والطمأنينة لا تُرتَّب على رف.
والطاولة التي لا تصنع عائلة…
لذلك عندما قرأت الرواية الروسية العظيمة.
اكتشفت أن دوستويفسكي لم يكن يصف سجنا وحده.
كان يصف أماكن كثيرة…
يعيش فيها الناس سنوات، وهم يظنون أنهم يبنون بيتا.
بينما كانوا، في الحقيقة…
يجلسون بهدوء داخل بيتٍ ميت.