العودة إلى الفهرس

سنة أخرى هنا

جدّدت عقد السكن لسنة أخرى.
جملة عادية جدا.
تشبه تلك الجمل التي لا تستحق أن تُكتب في تدوينة، ولا أن تُروى للأصدقاء، ولا أن تُحفظ في الذاكرة.
وقّعت في المكان المخصص للتوقيع، دفعت ما ينبغي دفعه، وانتهى الأمر.
لا موسيقى في الخلفية.
لا طيور حلّقت فوق الجولف الملكي احتفالا بقراري التاريخي.
فقط أنا، وقلم، وعقد جديد، وصاحب منزل يعرف جيدا أن الصيف في شمال المغرب لا يعترف بقوانين المنطق ولا بحقوق المستأجر.
خصوصا في يوليو وأغسطس.

في هذين الشهرين، يصبح للإيجار علمٌ مستقل.
حسبة لا تجدها في كتب الرياضيات، ولا يفهمها إلا أصحاب المنازل في المدن الساحلية.
فالمكان الذي أدفع مقابله مبلغا شهريا طوال العام، يمكن أن يُؤجّر في الصيف باليوم.
واليوم الواحد هنا قد يصل إلى مئة وخمسين يورو، وربما أكثر، بحسب مزاج البحر، وعدد السيارات القادمة من المدن الداخلية، ودرجة اقتناع الناس بأن الجلوس قرب الماء يعالج كل مشكلات الحياة.
وهذا، على الأرجح، صحيح جزئيا.
فالبحر لا يحل المشاكل.
لكنه يجعلها تبدو بعيدة.

أقيم قرب الجولف الملكي.
وقرب متنزهات لا تتذكر أنها موجودة إلا حين يأتي الصيف.
طوال الشتاء، تبدو المنطقة هادئة، كأنها قررت الاعتزال والتأمل في أخطائها.
ثم يأتي يوليو.
فتستيقظ الشوارع.
تفتح المقاهي أبوابها باكرا.
تظهر السيارات من كل مكان.
يمشي الناس بملابس صيفية وثقة لا يملكها إلا من جاء لقضاء أسبوع ولن يضطر إلى دفع فواتير الماء والكهرباء.
تزدحم الأرصفة.
ترتفع الأسعار.
وتصبح كل شرفة تطل على البحر مشروعا استثماريا صغيرا، وكل غرفة فارغة فرصة اقتصادية تنتظر ضحية… أقصد مصطافا.

كان من المفترض، وفق الحسابات الباردة، أن أفكر في مكان آخر.
مدينة أرخص.
شقة أبعد.
حي لا يكتشف فجأة في الصيف أنه موناكو.
كان يمكنني أن أقول إن الإيجار ارتفع.
وإن صاحب المنزل ينظر إلى يوليو وأغسطس كما ينظر صياد إلى موسم التونة.
وإنني أستطيع أن أجد مكانا آخر.
والإنسان، كما نعرف، يستطيع دائما أن يجد مكانا آخر.
لكن العثور على مكان آخر ليس المشكلة.
المشكلة أن تجد نفسك فيه.

قبل سنتين، حين جئت إلى هنا، لم أكن أعرف الطرق.
كنت أستعين بالخرائط للوصول إلى أماكن صارت اليوم جزءا من جسدي.
لم أكن أعرف من أين أشتري الخبز.
ولا أي مقهى يفتح مبكرا.
ولا أي طريق يكون فارغا عند الغروب.
ولا متى يصبح البحر هادئا.
ولا أي متجر يبيع الأشياء بسعرها الحقيقي، وأي متجر يضيف إلى الفاتورة ضريبة غير معلنة.
ثم، بهدوء، بدأت الأشياء تحفظني.
صار الطريق مألوفا.
وصار البائع يعرف ما أريد قبل أن أطلب.
وصرت أعرف أي نافذة يجب أن أفتحها حين تأتي الرطوبة.
وأي زاوية من البيت يصلها الضوء أولا.
وأي ساعة من اليوم يبدو فيها المكان كما لو أنه خُلق لي وحدي.

الإنسان لا يشعر بلحظة تحوّل المكان إلى بيت.
لا توجد إشارة.
لا يأتي أحد ليطرق الباب ويقول:
مبروك، لقد تجاوزت مرحلة السكن، ودخلت رسميا مرحلة الانتماء.
يحدث الأمر على مهل.
تضع كوبك في مكان محدد.
ثم تضع الكتب.
ثم تترك شيئا صغيرا على الطاولة.
ثم تنسى أنك تركته.
ثم، بعد أشهر، تعود من سفر قصير، وتفتح الباب، وتتنفس بطريقة مختلفة.
حينها فقط تعرف.

ربما لهذا جددت العقد.
ليس لأن الإيجار رخيص.
فصاحب المنزل سيضحك طويلا لو قرأ هذه الجملة.
جددت لأنني، للمرة الأولى منذ زمن، لم أشعر أنني مضطر إلى البدء من جديد.
البدايات رومانسية جدا لمن لا يضطر إلى عيشها.
أما بعد عدد كافٍ منها، فتصبح الاستمرارية هي المغامرة الحقيقية.

في الماضي، كنت أظن أن الحرية تعني أن أستطيع الرحيل في أي وقت.
أن لا يربطني شيء بمكان.
أن أستطيع جمع حياتي في حقائب، وإغلاق الباب، والبدء من مكان آخر.
وكان ذلك صحيحا.
لكنه لم يكن الحقيقة كاملة.
فالحرية ليست فقط أن تستطيع الرحيل.
الحرية أيضا أن تستطيع البقاء…
من دون أن تشعر أنك محاصر.

هنا، في شمال المغرب، صرت أعرف شكل الأيام.
أعرف الصباح حين يكون البحر رماديا.
وأعرف المساء حين تمتلئ الطرق بالعائدين من الشاطئ.
أعرف صمت الشتاء.
وضجيج الصيف.
أعرف أن المتنزهات التي تنام أغلب السنة ستستيقظ فجأة، وتلبس أضواءها، وتتظاهر بأنها لم تغب يوما.
وأعرف أنني سأشتكي من الزحام.
ومن الأسعار.
ومن المصطافين الذين يسيرون في منتصف الطريق كأنهم ورثوه عن أجدادهم.
ثم ينتهي الصيف…
فأفتقد قليلا ذلك الجنون الذي كنت ألعنه.
هكذا هي المدن التي نحبها.
نقضي نصف الوقت في الشكوى منها، والنصف الآخر في الدفاع عنها أمام الغرباء.

وقّعت العقد لسنة ثالثة.
وللحظة، بدا الأمر وكأنني أشتري عاما آخر من المشهد نفسه.
صباحات قريبة من البحر.
شتاء هادئ.
صيف مرتفع السعر والضغط والحرارة وعدد السيارات.
عام آخر من الطرق نفسها.
والمقاهي نفسها.
والنافذة نفسها.

كنت أظن أنني جددت عقد البيت لسنة أخرى.
لكنني، بعد أن فكرت في الأمر، أدركت أن البيت هو الذي جدد عقده معي.
قرر أن يحتفظ بخطواتي في الممر.
وبكوبي في مكانه.
وبصوت المفاتيح عند الباب.
وبذلك الشخص الذي وصل إليه قبل سنتين غريبا، ثم أخذ، يوما بعد يوم، يترك غربته خارجه.
لهذا بقيت.
ليس لأن الرحيل مستحيل.
ولا لأن البدائل قليلة.
بل لأنني، بعد سنوات طويلة من البحث عن مكان أذهب إليه…
وجدت أخيرا مكانا لا أحتاج إلى الهرب منه.