العودة إلى الفهرس

أحيانا نسافر وحدنا

أحيانا نسافر وحدنا

كان يتحدث عن مدينة أخرى كما يتحدث الناس عن الجنة.
كل شيء سيبدأ هناك.
سيستيقظ مبكرا.
سيقرأ أكثر.
سيطبخ لنفسه.
سيشتري مكتبا حقيقيا بدل ذلك الذي يهتز كلما كتب عليه.
وسيعود إلى المشي.
كنت أصدقه.
ليس لأنه كان مقنعا.
بل لأن الغرفة التي يعيش فيها كانت تجعل أي حلم يبدو معقولا.

في مدينة بئيسية ..
غرفة صغيرة.
نافذة تطل على جدار.
سرير يلامس الحائط.
وحقيبة لم تُفرغ بالكامل، كأن صاحبها يخشى أن يعتاد المكان.

مرّت السنوات.
وكان يقول الجملة نفسها كلما جلسنا:
“حين أغادر من هنا…”
ثم يتوقف.
ولا يكمل.
لم يكن يحتاج إلى ذلك.
كنا نحن نكملها في رؤوسنا.
حين أغادر من هنا… ستبدأ الحياة.

ثم جاء اليوم الذي انتظره طويلا.
جمع أشياءه.
غادر.
وانتقل إلى مدينة أكبر.
أوسع.
بشوارع طويلة.
ومقاهٍ لا تغلق أبوابها باكرا.

اتصل بي بعد أيام.
كان صوته مختلفا.
قال إن الغرفة الجديدة واسعة.
وإن الشمس تدخلها منذ الصباح.
وإن كل شيء جميل.
أغلقت الهاتف وأنا سعيد له.

شعرت، للمرة الأولى، أن بعض النهايات السعيدة ليست اختراعا في الأفلام.
ثم مرّت أشهر.
وزرته.
كانت الغرفة فارغة.
لكن بنافذة كبيرة.

جلسنا نتحدث.
شربنا الشاي.
وتحدث مرة أخرى عن كل ما سيفعله…
عندما تستقر الأمور قليلا.
عندما يتعرف على المدينة أكثر.
عندما يصبح الوقت مناسبا.
عندما… وعندما ..

عندما هممت بالمغادرة…
رأيت الحقيبة الثقيلة.
كانت لا تزال نصف مغلقة.

ابتسمت.
وأدركت أن الرجل…
لم يكن يبحث عن مدينة جديدة.
كان يبحث، منذ سنوات، عن نفسه… ولم يخطر بباله أنه يأخذها معه كلما رحل.