لم أعد أريد مدينة جديدة
منذ سنوات وأنا أعيش كأن إقامتي في كل مكان مؤقتة.
أتعلم الشوارع.
أحفظ أسماء المقاهي.
أتعرف على الباعة.
ثم أبدأ بالنظر إلى مدينة أخرى.
كان الأمر يحدث دائما.
حتى صرت أعتقد أن هذه هي طبيعتي.
أن الإنسان لا يجب أن يبقى طويلا في مكان واحد.
وصلت إلى تطوان كما وصلت إلى مدن كثيرة قبلها.
دون خطط كبيرة.
ودون تلك الأفكار الرومانسية التي يتحدث عنها الناس حين يقررون تغيير حياتهم.
ثم مرت الأيام.
وصرت أعرف متى تكون الطريق مزدحمة.
وأعرف أي مخبزة تفتح مبكرا.
وصرت أمر على الوجوه نفسها.
الرجل الذي يبيع الخضر.
العامل في المقهى.
والحارس الذي يرفع يده من بعيد.
أشياء صغيرة.
لكنها بدأت تتكرر.
وبدأت أشعر بشيء لم أكن معتادا عليه.
لا يوجد شيء استثنائي.
بحر.
وبعض الجبال.
وطريق أعرفه جيدا.
وهذا كان كافيا.
قبل أيام كنت أتصفح مواقع الشقق.
كالعادة.
أنظر إلى مدن أخرى.
وأقرأ عن أماكن جديدة.
ثم أغلقت الهاتف.
ولم أكمله.
لا لأنني لم أجد شيئا مناسبا.
بل لأنني لم أكن أبحث فعلا.
أدركت أنني لم أعد أفكر كثيرا في المدينة التالية.
ولم أعد أتعامل مع هذه الأيام كأنها محطة قصيرة.
ربما سأبقى هنا إلى الأبد.
لا أحد يعرف.
لكن للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، لا أشعر أنني ضيف.
ولا أشعر أن حقيبتي جاهزة بجانب الباب.
وهذا وحده، بالنسبة لشخص قضى عمره وهو يفكر في الرحيل، يبدو شيئا استثنائيا جدا.