مدونة نعيم

نسخة قديمة

في مرحلة ما من العمر، يتوقف الإنسان عن عدّ ممتلكاته .. ويبدأ بعدّ الخسائر.

ثم تمر السنوات. ويكتشف أن القائمة الثانية لم تعد تؤلمه كما كانت.

أتذكر مدنا كنت أعتقد أنني سأبقى فيها إلى الأبد. كنت أعرف شوارعها. أسماء المقاهي. وجوه الباعة. ومكان الطاولة التي أحب الجلوس إليها. كنت أظن أن بيني وبين تلك الأماكن عهدا طويلا. ثم غادرتها. ومرت الشهور. ثم السنوات. واكتشفت أن المدن تستمر دون أصحابها.

أتذكر أشخاصا كنت أظن أن غيابهم سيترك فراغا لا يعوض. أصدقاء. وجوه يومية. أرقام محفوظة في الهاتف. رسائل طويلة. ضحكات. خطط لم تكتمل.

في بعض الليالي كنت أستيقظ وأنا أفكر فيهم. وأتساءل أين هم الآن. ثم حدث شيء غريب.

توقفت عن السؤال. بهدوء. وبلا استئذان. أتذكر أحلاما كاملة كنت أحملها معي من مدينة إلى أخرى.

حياة مختلفة. بيت مختلف. مستقبل مختلف. كنت أتعامل معها كما يتعامل الناس مع المواعيد المؤكدة. ثم مرت السنوات. واكتشفت أن بعضها لم يكن موعدا أصلا. كان مجرد احتمال. مرّ بجانبي ثم أكمل طريقه.

الغريب أنني لا أشعر بالغضب من كل ذلك. أشعر بالدهشة فقط.

كيف استطاعت الأشياء التي كانت تملأ العالم أن تصبح ذكرى صغيرة؟ كيف استطاع القلب أن يتكيف؟ كيف استطاع أن يتعلم العيش مع المقاعد الفارغة؟

أحيانا أفتح صورا قديمة. أشاهدها كما يشاهد المرء ألبوم عائلة بعيدة. أعرف كل الوجوه. وأتذكر كل الحكايات. لكن شيئا ما تغير. لم تعد الصور تناديني للعودة.

صارت مجرد دليل على أن تلك الأيام حدثت فعلا. هذا كل شيء.

المدن. الأصدقاء. الأحلام. الخطط. النسخ القديمة من أنفسنا. كلها تغادر بطريقة أو بأخرى. وفي كل مرة نظن أن الرحيل سيكون نهاية العالم. ثم نستيقظ في صباح اليوم التالي. نشرب القهوة. نذهب إلى أعمالنا. ونكتشف أن القلب أكثر صلابة مما كنا نعتقد.

لكن هناك شيء واحد لم أعتد غيابه حتى الآن. شيء واحد ما زلت أشتاق إليه كلما تعبت. ليس مدينة. ولا شخصا. ولا حلما قديما. أشتاق إلى ذلك الإنسان الذي كنت عليه قبل أن أعرف كل تلك القصص. قبل أن أتعلم كيف أودع الناس. وكيف أترك المدن.

وكيف أطوي صفحة كاملة من حياتي وأمشي. أشتاق إلى الرجل الذي كان يعتقد أن الأشياء الجميلة تبقى. والذي كان يظن أن بعض الأبواب إذا فُتحت مرة فلن تُغلق أبدا. أشتاق إليه أحيانا. ثم أتذكر أنه هو أيضا… واحد من الأشياء التي لم تعد موجودة.